الشيخ الطوسي
134
التبيان في تفسير القرآن
الا فرارا ) أي لم يزدادوا بدعائي الا فرارا عن قبوله وبعدا عن استماعه ، وإنما سمي كفرهم عند دعائه زيادة في الكفر ، لأنهم كانوا على كفر بالله وضلال عن حقه ، ثم دعاهم نوح إلى الاقرار به وحثهم على الاقلاع عن الشرك ، فلم يقبلوا ، فكفروا بذلك ، فكان ذلك زيادة في الكفر ، لان الزيادة إضافة شئ إلى مقدار بعد حصوله منفردا ، ولو حصلا ابتداء في وقت واحد لم يكن أحدهما زيادة على الاخر ، ولكن قد يكون زيادة على العطية . قيل : وإنما جاز أن يكون الدعاء إلى الحق يزيد الناس فرارا منه للجهل الغالب على النفس ، فتارة يدعو إلى الفرار مما نافره ، وتارة يدعو إلى الفساد الذي يلائمه ويشاكله فمن ههنا لم يمتنع وقوع مثل هذا ، والفرار ابتعاد عن الشئ رغبة عنه أو خوفا منه ، فلما كانوا يتباعدون عن سماع دعائه رغبة عنه كانوا قد فروا منه . قوله تعالى : ( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ( 7 ) ثم إني دعوتهم جهارا ( 8 ) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ( 9 ) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ( 10 ) يرسل السماء عليكم مدرارا ( 11 ) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ( 12 ) مالكم لا ترجون لله وقارا ( 13 ) وقد خلقكم أطوارا ) ( 14 ) ثمان آيات .